فخر الدين الرازي
85
الأربعين في أصول الدين
والجواب من وجهين : الأول : ان الموجود في الحال ، إذا حكم العقل عليه بأنه يمكن أن يصير معدوما في الاستقبال ، فالمحكوم عليه بالعدم في الاستقبال ، هو هذه الماهية والمحكوم عليه بحكم لا بد وأن يكون متقررا مع ذلك الحكم ، فتلك الماهية ممكنة التقرر مع العدم في الاستقبال . وإذا حصلت الماهية بدون الوجود ، كانت الماهية مغايرة للوجود . الثاني : هو ان قولكم الشيء يمكن أن يصير معدوما في الاستقبال ، يحتمل وجهين : أحدهما : ان امكان العدم في الاستقبال ، حاصل في الحال . والآخر : ان امكان العدم في الاستقبال يحصل في الاستقبال . والأول باطل . لأن امكان العدم في الاستقبال ، مشروط بحصول الاستقبال ، والاستقبال ممتنع الحصول في الحال . فامكان العدم في الاستقبال ، موقوف على شرط ممتنع الحصول لذاته . وما توقف على مثل هذا الشرط ، كان ممتنع الحصول في الحال . فثبت : أنه يمتنع أن يحصل في الحال امكان العدم في الاستقبال . ولما بطل هذا الاحتمال بقي الاحتمال الثاني . وهو أن الموجود في الحال يمكن أن يصير معدوما في الاستقبال ، عند حضور الاستقبال . لكن الاستقبال إذا حضر ، صار حاضرا . فحينئذ يعود الأمر إلى أن الممكن انما يكون محكوما عليه بالامكان بالنسبة إلى الحال ، لا بالنسبة إلى الاستقبال . وذلك يبطل ما ذكرتم من السؤال . الحجة الثالثة على أن الوجود زائد على الماهية : وهو أنه يمكننا أن نعقل الماهية مع الذهول عن وجودها . ولو كان الوجود نفس الماهية ، أو جزءا من أجزاء الماهية . لكان ذلك ممتنعا .